أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
171
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وعند قوله تعالى : مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ « 1 » . ولمّا أعرب الزمخشري مقام إبراهيم وأمن داخله بالتأويل المذكور اعترض على نفسه بما ذكرته من إبدال غير الجمع من الجمع ، وأجاب بما تقدّم ، واعترض أيضا على نفسه ، بأنه كيف تكون الجملة عطف بيان للأسماء المفردة ؟ فقال : « فإن قلت : كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان ، وقوله « وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » جملة مستأنفة : إمّا ابتدائية وإمّا شرطية ؟ قلت : أجزت ذلك من حيث المعنى ، لأن قوله : « وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً دلّ على أمن من دخله ، فكأنه قيل : « فيه آيات بينات : مقام إبراهيم وأمن من دخله » ألا ترى أنك لو قلت : « فيه آية بيّنة : من دخله كان آمنا » صحّ ، لأن المعنى : فيه آية بينة أمن من دخله » . قال الشيخ « 2 » : « وليس بواضح لأنّ تقديره وأمن الداخل هو مرفوع عطفا على « مَقامُ إِبْراهِيمَ » وفسّر بهما الآيات ، والجملة من قوله : « وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » لا موضع لها من الإعراب فتدافعا ، إلّا إن اعتقد أن ذلك معطوف محذوف يدلّ عليه ما بعده ، فيمكن التوجيه ، فلا يجعل قوله « وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » في معنى : « وأمن داخله » إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب » وهي مشاحّة لا طائل تحتها ، ولا تدافع فيما ذكر ، لأنّ الجملة متى كانت في تأويل المفرد صحّ عطفها عليه ، ثم المختار أن يكون قوله « مَقامُ إِبْراهِيمَ » خبر مبتدأ مضمر ، لا كما قدّروه حتى يلزم الإشكال المتقدم ، بل تقدّره : أحدها مقام إبراهيم ، وهذا هو الوجه الثالث . « وَمَنْ » يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة ، ولا يخفى الكلام عليهما ممّا تقدم . وقرأ أبي وعمر وابن عباس وأبو جعفر ومجاهد : « آية بينة » بالتوحيد ، وتخريج « مَقامُ » على الأوجه المتقدمة سهل : من كونها بدلا أو بيانا عند الزمخشري ، أو خبر مبتدأ محذوف ، وهذا البدل متفق عليه ؛ لأن البصريين يبدلون من النكرة مطلقا ، والكوفيون لا يبدلون منها إلا بشرط وصفها وقد وصفت . قوله : مَنِ اسْتَطاعَ فيه ستة أوجه : أحدها : أنّ « من » بدل من « النَّاسِ » بدل بعض من كل ، وبدل البعض وبدل الاشتمال لا بد في كلّ منهما من ضمير يعود على المبدل منه نحو : أكلت الرغيف ثلثه ، وسلب زيد ثوبه ، وهنا ليس ضمير ، فقيل : هو محذوف تقديره : من استطاع منهم . الثاني : أنه بدل كل من كل ، إذ المراد بالناس المذكورين خاصّ ، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أنّ الذي قبله يقال فيه : عامّ مخصوص ، وهذا يقال فيه : عامّ أريد به الخاصّ ، وهو فرق واضح ، وهاتان العبارتان مأخوذتان من عبارة الإمام الشافعي رضي اللّه عنه . الثالث : أنها خبر مبتدأ مضمر تقديره : هو من استطاع . الرابع : أنّها مصدرية بإضمار فعل أي : أعني من استطاع ، وهذا الوجهان في الحقيقة مأخوذان من وجه البدل ، فإنّ كلّ ما جاز إبداله ممّا قبله جاز قطعه إلى الرفع أو النصب المذكورين آنفا . الخامس : أنّ « من » فاعل بالمصدر وهو « حِجُّ » والمصدر مضاف لمفعوله ، والتقدير : وللّه على الناس أن يحجّ من
--> ( 1 ) سورة النور ، آية ( 35 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 9 .